ابن عجيبة

338

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يهوديا ، فقال لهما النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « فهلمّوا إلى التّوراة فهي بيننا وبينكم » فأبيا عليه ، فنزلت الآية ) . وقيل : نزلت في الرجم ، على ما يأتي في العقود . ذلِكَ الإعراض بسبب اغترارهم وتسهيلهم أمر العقاب ، فقالوا : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ؛ أربعين يوما ، قدر عبادتهم العجل ، ثم يخلفهم المسلمون ، وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ بزعمهم الفاسد وطمعهم الفارغ . يقول الحق جل جلاله : فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ، وهذا تهويل لشأنهم ، واستعظام لما يحيق بهم ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ من خير أو شر ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي : لا يبخسون من أعمالهم شيئا ، فلا ينقص من الحسنات ، ولا يزاد على السيئات . وفيه دليل على أن المؤمن لا يخلد في النار . قال ابن عباس : ( أول راية ترفع لأهل الموقف ، ذلك اليوم ، راية اليهود ، فيفضحهم اللّه تعالى على رؤوس الأشهاد ، ثم يؤمر بهم إلى النار ) . الإشارة : ترى كثيرا ممن ينتسب إلى العلم والدين ينطلق لسانه بدعوى الخصوصية ، وأنه منخرط في سلك المقربين ، فإذا دعى إلى حق ، أو وقف على عيب من عيوب نفسه ، أعرض وتولى ، وغرته نفسه ، وغلبه الهوى ، فجعل يحتج لنفسه بما عنده من العلم أو الدين ، أو بمن ينتسب إليهم من الصالحين ، فكيف يكون حاله إذا أقبل على اللّه بقلب سقيم ، ورأى منازل أهل الصفا ، الذين لقوا اللّه بقلب سليم ، حين ترفع درجاتهم مع المقربين ، ويبقى هو مع عوام أهل اليمين ؟ قال تعالى : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ الآية . ثم ذكر الحق تعالى نزع ملك أهل الكتاب ، وسلب عزهم ، وانتقاله إلى المسلمين ، فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 26 إلى 27 ] قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 ) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 27 ) قلت : ( اللهم ) منادى مبنى على الضم ، حذفت منه الياء المتضمنة للفرق ، وعوضت منها الميم المؤذنة بالجمع ، لئلا يبقى بين الداعي والمدعو فرق « 1 » ، و ( مالك ) : نعت لمحل المنادى ؛ لأنه مفعول ، ومنادى ثان عند سيبويه ، لأن الميم عنده تمنع الوصفية . يقول الحق جل جلاله : قُلِ يا محمد في استنصارك على عدوك : اللَّهُمَّ يا مالِكَ الْمُلْكِ ؛ ملك الدنيا وملك الآخرة ، تُؤْتِي الْمُلْكَ والنصر مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ، فهب لنا ملك الدارين ،

--> ( 1 ) هذا توجيه إشارى .